أبو بكر محمد بن جعفر بن سهل السامري الخرائطي

46

كتاب هواتف الجنان ( نوادر الرسائل 3 )

لمّا توجّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يوم الحديبية إلى مكّة ، أصاب الناس عطش شديد ، وحرّ شديد ؛ فنزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم الجحفة « 2 » معطشا ، والنّاس عطاش . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « من رجل يمضي في نفر من المسلمين معهم القرب ، فيردون البئر ذات العلم ، ثم يعود ، يضمن له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم الجنّة ؟ » . فقام رجل من القوم ، فقال : أنا يا رسول اللّه . فوجّهه النّبيّ صلى اللّه عليه وسلّم ، ووجّه معه « 3 » السّقاة . فأخبرني سلمة بن الأكوع « 4 » ، قال : كنت في السّقاة . قال : فمضينا ؛ حتّى إذا دنونا من الشّجر والبئر ، سمعنا في الشّجر حسّا وحركة شديدة ، ورأينا نيرانا تتّقد [ 23 ] بغير حطب ، فأرعب الرّجل الذي كنّا معه ، وأرعبنا رعبا شديدا حتّى ما يملك أحد منّا نفسه ، فرجعنا ولم نطق أن نجاوز الشّجر . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « ما لك رجعت ؟ » قال : بأبي وأمي يا رسول اللّه ؛ إنّي لماض « 5 » إلى الدّغل والشّجر ، إذ سمعنا حركة شديدة ، ورأينا نيرانا تتّقد بغير حطب ، فأرعبنا رعبا شديدا ، فلم نقدر أن نجاوز موضعنا ، فرجعنا إليك يا رسول اللّه . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « تلك عصابة من الجنّ هوّلت عليك ؛ أما إنّك لو مضيت لوجهك حيث أمرتك ما نالك منهم سوء ، ولرأيت فيهم عبرة وعجبا » . قال : ثم دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم رجلا آخر من أصحابه ، فوجّه به ، وقد سمع كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم للرّجل الأوّل حيث قال : « أما إنّك لو مضيت لوجهك حيث أمرتك ، لما نالك مكروه » .

--> ( 2 ) الجحفة : قرية كانت ذات منبر على طريق المدينة من مكة . ( معجم البلدان 2 / 111 ) . ( 3 ) في الأصل : معهم . ( 4 ) سلمة بن عمرو بن الأكوع ، أول مشاهده الحديبية ، وكان من الشجعان ، ويسبق الفرس عدوا . بايع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند الشجرة على الموت . توفي سنة 74 ه . ( الإصابة 2 / 66 ) . ( 5 ) في الأصل : لماضي .